ابن الأثير
57
الكامل في التاريخ
قال بكر بن عبد اللَّه : جاء عمر بن الخطّاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلّي في بيته ليلا ، فقال له عبد الرحمن : ما جاء بك في هذه الساعة ؟ قال : رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سرّاق المدينة ، فانطلق فلنحرسهم . فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدّثان ، فرفع لهما مصباح فقال عمر : ألم أنه عن المصابيح بعد النوم ؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم . قال : انطلق فقد عرفته . فلمّا أصبح أرسل إليه قال : يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب ! قال : وما أعلمك يا أمير المؤمنين ؟ قال : شيء شهدته . قال : أو لم ينهك اللَّه عن التجسّس ؟ فتجاوز عنه . وإنّما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فتحرقه ، وكانت السقوف من جريد ، وقد كان رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، نهى عن ذلك قبله . وقال أسلم : وخرج عمر إلى حرّة وأقم وأنا معه ، حتى إذا كنّا بصرار إذا نار تسعّر . فقال : انطلق بنا إليهم . فهرولنا حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون . فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء . وكره أن يقول : يا أصحاب النار . قالت : وعليك السلام . قال : أدنو ؟ قالت : ادن بخير أو دع . فدنا فقال : ما بالكم ؟ قالت : قصّر بنا الليل والبرد . قال : فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون ؟ قالت : [ من ] الجوع . قال : وأي شيء في هذه القدر ؟ قالت : ما لي ما أسكتهم حتى يناموا فأنا أعلّلهم وأوهمهم أنّي أصلح لهم شيئا حتى يناموا ، اللَّه بيننا وبين عمر ! قال : أي رحمك اللَّه ، ما يدري بكم عمر ؟ قالت : يتولّى أمرنا ويغفل عنّا . فأقبل عليّ وقال : انطلق بنا . فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال : احمله على ظهري . قال أسلم : فقلت : أنا أحمله عنك ، مرّتين أو ثلاثا . فقال آخر ذلك : أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أمّ لك ! فحملته